محمد أمين المحبي
349
نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة ( دار الكتب العلمية )
لا يهبط بلدا إلا أبدى أعجوبة محجوبة ، وبنى دسته على حيلة منصوبة ، وجدّة مغصوبة . ثم يفارقه مفارقة لبد ، ويقول : لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ [ البلد : 1 ] . وقد رأيته بالرّوم وجهه أغبر ، وهمّه من وعائه أكبر . يظهر كلّ يوم في نمط ، وحيثما سقط لقط . وعاشر ممن أعرف فرقة رفقة ، أدّاه خلل حاله معهم إلى فرقة وحرقة . وتلاعبت به الظّنون في ذلك الفريق ، تلاعب موج البحر المهتاج بالغريق . وبقي أنقى من الرّاحة ، شاكيا بلسان كمده مغداه ومراحه . وفارقته وهو منغمر في تلك الأوحال ، وتبريحه ما برح وحاله ما حال . ثم بلغني أنه انتعش ، فكانت نعشته النعشة الأخيرة ، وأدركه أجله الذي نفى الحكيم تقديمه وتأخيره . وهو بارع في النّظام والنّثار ، إلا أنه يرمى في شعره بالإكثار . ولكون الكثير مملول الطّباع ، لم أذكر منه إلّا نزرا سهل الانطباع . فمنه قوله ، من قصيدة في المدح : العلم والحلم والمعروف والجود * وكلّ وصف حميد فيك موجود حويت ذلك إرثا عن أب فأب * كأنكم في رياض المجد عنقود يا من بسؤدده أعداؤه شهدت * وكيف لا وهو مشهور ومشهود ففي العطا تغرق الدنيا بأجمعها * وفي السّطا تتوقّاك الصّناديد حاشاك تحرم عبدا مات من ظمأ * ومنهل الجود من كفّيك مورود لا سيمّا أن لي حقّ الجوار ولي * في كلّ آن بمدحي فيك تغريد وما تقادم عهدي في الدّعا لكم * إلّا ويعقبه في الحال تجريد ولم يجاور كريما قطّ ذو أمل * إلّا غدا وهو من نعماه محسود لكنّ حالي لم يعلم بها أحد * إذ لا يحيط بها رسم وتحديد وأنشدني نادرة الوقت المولى عارف للنّبهانيّ ، يمدحه : أنا في التّباعد والدّنوّ * أرجو لمولانا العلوّ أبدا تراني رافعا * كفّي إلى ربّ عفوّ أدعوه في سرّ وجه * ر أن يديمك في السّموّ فيما يسرّ به الصدي * ق وما يساء به العدوّ